بقلم: مولاي علي الأمغاري

وُصفت تركيا طيلة السبع السنوات الماضية بأوصاف كثيرة تعبر عن تحولها من دولة تابعة مقيدة بأجندة الدول الكبرى وشروط المؤسسات المالية الكبرى، إلى دولة منتجة فاعلة تعمل على تنفيذ أجندتها الخاصة، وتسعى لتحقيق مصالح الشعب التركي، مع حرصها على توطيد العلاقات مع العالم العربي والإسلامي والشعوب ذات الأصول التركية بأسيا، والانفتاح على إفريقيا، والاستفادة من الخبرة اليابانية و الصينية، وفتح أسواق جديدة بأمريكا اللاتينية.

ومن تلك الأوصاف: “تركيا الحديثة – تركيا القوية – تركيا المتمردة – تركيا العثمانيين الجدد…”، لكن الوصف  الذي أصبحت تتداوله وسائل الإعلام الغربية والعربية هذه الأيام هو “تركيا المزعجة”.

تركيا المزعجة لأكثر من جهة دولية ودول غربية وشرقية، وأكبر المنزعجين من سياسة تركيا ما بعد الانقلاب الفاشل: الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي( ألمانيا –فرنسا) والكيان الصهيوني.

قال الرئيس التركي الطيب أردوغان ( توجد أطراف تبدي انزعاجاً شديداً من المواقف الحازمة التي تُظهرها تركيا خلال السنوات الأخيرة…ستستمر في إزعاج تلك الأطراف خلال الأيام القادمة من خلال الخطوات التي ستُقدم عليها تركيا).

لا شك أن تركيا ما بعد 15 تموز/يوليو تغيرت واشتد عودها، وأن المحاولة الانقلابية أكسبتها مناعة وخلصتها من عدة حواجز وعقبات وضعتها أمامها الدولة العميقة بتنسيق مع القوى الغربية التي لا ترى مصلحتها في استمرار نمو تركيا وتطورها على جميع الأصعدة.

بعد 15 تموز/يوليو تأكد الساسة الأتراك أن مسارهم صحيح وطرق سليمة ومشاريعهم اتت ثمارها، وأن ورائهم شعب قوي واع لا يتردد في نصرة حكومته التي انتخبها واختارها، شعب حمى ديمقراطيته وشرعيته وحاضره ومستقبله، ورفض أن يرهنهم بأيدي الانقلابين سواء بالداخل التركي أو خارجه.

لهذا بدأت تركيا طريق إزعاج كل من أزعجها وخطط ضدها،أولا بتطهير مؤسستها من كل أتباع جماعة غولن الإرهابية وباقي الانقلابين غير مهتمة بالقلق الأوربي والأمريكي، وأخيرا الإسراع  في التطبيع مع روسيا مما مكنها من الدخول في علمية “درع الفرات” العسكرية لتحرير الشريط الحدودي من المنظمات الإرهابية ( داعش ومنظمة بي كا كا وفروعه بسوريا)، كما هددت الاتحاد الأوروبي بالتخلي عن الاتفاق إعادة اللاجئين وغيرها من الإجراءات والقرارات التي ترى تركيا أن تخدم مصلحتها ونفوذها بالمنطقة .

دولة ننتقد نظام الأمم المتحدة وعملها ومؤسساتها علنا، وتقول أن العالم أكبر من خمس دول، وتدعو العالم إلى الضغط من أجل تغير نظام هذه المنظمة التي أسست من أجل نصرة المظلوم ومنع أسباب قيام حرب عالمية مرة أخرى، لكنها فشلت في أكبر أهدافها، دولة قوية تحمل مقومات الدول المؤثرة التي توظف كل إمكانيتها من أجل تحقيق مشاريعها ومصالحها، والتي تقف مثل هذه المؤسسات الدولية عقبة أمامها بطرق ملتوية ومسالك معوجة، تنصر الظالم وتخذل المظلوم.

قال الرئيس التركي : (ليس عدلا أن تقرر خمس دول مصير مئتا دولة، بل إن دولة واحدة من الدول الخمس تحدد مصير باقي الدول باتخاذها حق نقض القرارات، لذا لا يمكننا القول بأن هناك عدالة في العالم وهذه الدول الخمس تمثل 3 قارات فقط ، هل هذه هي العدالة، نحن بحاجة إلى نظام عالمي جديد أكثر عدالة.. والمنظمات الدولية لا تحرك ساكنا في الحفاظ على الإنسانية والحياة البشرية، فالأمم المتحدة فشلت في منع وقوع هذه المأساة وهي بعاتق هذه الهيكلة التي تسكت عن قتل 370 ألف إنسان بريء بسوريا ولم تستطع اتخاذ أي إجراء لمحو هذا العار من جبين الإنسانية )  من كلمة أردوغان في اجتماع مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركية.

حينما تخصص مجلة مشهورة ك”دير شبيغل الألمانية” عددا خاصا تصف فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنه “طاغية وديكتاتور” وتركيا ب”البلد الذي يفتقد حريته” وتحول منارتين من مسجد إسطنبول إلى صاروخين في وضعية استعداد للانطلاق، يدل بشكل واضح أن المنزعجين بلغت مستوى غضبهم وحقدهم واحتقانهم (ألمانيا أنموذجا) درجة محاولة تشويه سمعة أردوغان وتركيا والإسلام، في صورة تدل على العنصرية والتعصب والكراهية التي وصلوا إليه، والمستوى اللاأخلاقي ولاإنساني الذي أصبح عليه الغرب حينما يجد من يتحداه ويقف أمام أجندته الاستعمارية والتخريبية.

ولا أظن أن الإزعاج التركي لهذه القوى الغاشمة سيتوقف، مادام القادة الأتراك مصممين على الخروج من الوصاية الدولية وتحقيق أحلام شعبهم في الحرية والديمقراطية والتقدم والازدهار مهما كلف الثمن.

تركيا بالعربي