يعتبر الأتراك انتصار القوات العثمانية على جيوش التحالف في معركة “جناق قلعة” عيدا وطنيا يحيونه بالعروض العسكرية واستعراضات الجند في أنحاء البلاد، لكن إحياء الذكرى المئوية للانتصار هذا العام اتخذ طابعا مميزا وعلى جوانب تنظيمية وتحضيرية في عموم المحافظات التركية.

وتعود حكاية جناق قلعة المعروفة محليا باسم “غاليبولي” إلى عام 1915، حين تمكن الجيش العثماني في الحرب العالمية الأولى من دحر قوات التحالف التي ضمت جيوشا من بريطانيا وفرنسا وأستراليا ونيوزيلندا وصدتها عن عاصمة الدولة العثمانية إسطنبول.

من ناحيته وجه رئيس الجمهورية رجب طيب اردوغان رسالة بمناسبة الذكرى السنوية لنصر جناق قلعة الثامن عشر من مارس/اذار عبر تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”. وجاءت التغريدة من الحساب الشخصي لرئيس الجمهورية رجب طيب اردوغان. قال فيها “بالنصر الذي حققه اجدادنا في جناق قلعة، قلبوا الحظ السيء لهذه الامة. ان نصر جناق قلعة هو نصر تحقق على حساب حياة مئات الالاف من شبابنا، باستشهادهم او اصابتهم”.

وأضاف: “ينبغي علينا ان نستغل نتائج نصر جناق قلعة على أفضل نحو، وينبغي علينا استنباط الدروس والعبر من هذه الملحمة المجيدة التي كتبت قبل 100 عام.”

’’
منحت الجهات الرسمية التركية 455 صحفياً من 12 دولة تصاريح لتغطية الاحتفالات الضخمة التي ستنظم في 18 من شهر مارس الجاري

‘‘

تخليد الذكرى
وتحتضن مدينة إسطنبول معرضاً دولياً للثقافة والفنون يحمل اسم “جناق قلعة” لتخليد ذكرى غاليبولي، ويضم زوايا رسومات وكاريكاتيرات ونقوش وأشعار وكتب من دور نشر محلية وعالمية تناولت حكاية هذه الحرب.

واشتمل المعرض الذي افتتح يوم 27 فبراير/شباط الماضي ويستمر حتى يوم 8 مارس/آذار الجاري، على عروض أفلام كرتونية ومسابقات للرسم وأشعار تخلد ذكرى المعركة وتفاصيلها.

ويرى مؤلفون وفنانون أتراك شاركوا في معرض “جناق قلعة” الدولي للثقافة والفنون أن الفن الذي يخلد ذكريات البطولة والانتصار يمكن أن يساهم أيضا في صنع ثقافة السلام، إذا استند إلى منطق الحق والعدل الذي يفرضه السيف.

ووفقا للكاتب والمؤلف التركي إسماعيل متلو فإن معركة جناق قلعة تعد من مصادر إلهام المؤلفين والكتاب الأتراك، بسبب أهميتها السياسية والتاريخية بالنظر إلى كونها المعركة التي حمت عاصمة العثمانيين من احتلال متعدد الجنسيات.

وقال “متلو” إن أهمية التأليف والكتابة حول هذه الأحداث تكمن في إمكانية توظيفها كحافز يشجع الأجيال على القراءة والتعلم والرجوع إلى الكتب التي تَراجع الإقبال عليها كثيرا في عهد تقنيات الجيل الرابع من وسائل الاتصال.

وأوضح أن الإرث الثقافي للبطولات والانتصارات قد يستغل أحيانا من قبل بعض الكتاب والمؤلفين في الترويج والدعاية لإنتاجاتهم بهدف تحقيق الأرباح المادية والشهرة وغيرها من المنافع الخاصة، لكنه أثنى على دور الفعاليات الثقافية والمعارض في إعادة الاعتبار للكتاب.

وأشار متلو إلى أن الثقافة والإبداع عادة ما يولدان من رحم البطولة والانتصارات التي يتبارى الكتاب والشعراء على توثيقها وتدوينها فتكون موروثا ثقافيا للأمة التي حققت الانتصار.

 

’’
اردوغان: بالنصر الذي حققه اجدادنا في جناق قلعة، قلبوا الحظ السيء لهذه الامة

‘‘

 

455 صحفياً يغطون ذكرى المعركة 
منحت الجهات الرسمية التركية 455 صحفيًا من 12 دولة تصاريح لتغطية الاحتفالات الضخمة غير المسبوقة التي ستنظم في 18 من شهر مارس الجاري في ولاية “جناق قلعة” شمال غرب البلاد.

وأفاد بيان صادر عن “مراد درالي” رئيس مديرية الصحافة والنشر والإعلام بولاية جناق قلعة، أن عدد الصحفيين الذين تقدموا بطلبات للحصول على تصاريح لتغطية الاحتفالات التي ستقام في 18 من الشهر الجاري بلغ نحو 500 شخص، 455 منهم صحفيون، والباقي مصورون من 12 دولة، ليسجل بذلك رقمًا قياسيًا.

وأوضح البيان، أن الزيادة لم تطرأ فقط في عدد التصاريح الممنوحة للصحفيين فحسب، بل في عدد الدول المشاركة أيضًا، مضيفًا: “سيشارك صحفيون من تركيا، وأمريكا، والصين، وفرنسا، وألمانيا، وفلسطين، والجزائر، وأذربيجان، وقطر، والعراق، وإيران، وأستراليا، وبريطانيا لتغطية الاحتفالات”.

وجاء في البيان: “في العام المنصرم قام نحو 240 صحفيا بتغطية الاحتفال، أما هذا العام الجاري فالاحتفالات حظيت باهتمام كبير كما كنا نتوقع، وأنهينا كل التحضيرات الضرورية التي تمكن ممثلي وسائل الإعلام من القيام بأعمالهم بشكل مريح”. يشار أن القوات العثمانية، تمكنت في معركة (جناق قلعة) عام 1915م – خلال الحرب العالمية الأولى – من دحر قوات التحالف (بريطانيا، أستراليا، نيوزيلندا، فرنسا)، التي كانت تسعى لاحتلال عاصمة الدولة العثمانية “إسطنبول”، ما أكسب تلك المعركة أهمية كبرى، على الصعيدين السياسي والتاريخي.
عن ذكرى المعركة 
دارت معركة جاليبولي، في شبه الجزيرة التركية عام 1915 م خلال الحرب العالمية الأولى حيث قامت قوات البريطانية والفرنسية مشتركة بمحاولة احتلال العاصمة العثمانية إسطنبول، لكن المحاولة باءت بالفشل وقتل ما قُدّر عدده بحوالي 55 ألف جندي من قوات التحالف (بريطانيا، أستراليا، نيوزيلندا، فرنسا) وحوالي 90 ألف جندي عثماني ومئات الآلاف من الجرحى من الطرفين.

هذا، وتُعرف هذه المعركة في تركيا باسم معركة شنق قلعة سافاشلاري، كونها وقعت في منطقة شنق قلعة. وفي بريطانيا، تسمى بمعركة مضيق الدردنيل.

كانت المعركة تهدف إلى غزو إسطنبول عاصمة تركيا ومن ثم الدخول إلى الجزء الشمالي الشرقي من تركيا لمساندة روسيا ضد القوات الألمانية، حيث طلبت روسيا من فرنسا وبريطانيا مساعدتها ضد القوات الألمانية في الجانب الشرقي بعد أن تكبدت القوات الروسية خسائر كبيره امام الالمان.

وقد أشرف الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك على هذه المعركة من الجانب العثماني، وتعد معركة جاليبولي نقطه سوداء بالتاريخ العسكري البريطاني بعد هزيمتهم بها امام القوات العثمانية.

ومن أسباب الحملة فأن موقف روسيا في كان بدايات الحرب حرجا للغاية بعد الهزائم المنكرة التي أنزلتها بها القوات الألمانية، وأرادت بريطانيا أن تفتح الطريق أمام الأساطيل البريطانية والفرنسية إلى البحر الأسود، وكانت منطقة المضايق هي التي تفصل بريطانيا وفرنسا عن روسيا وتحول دون إمدادها بالذخائر والأسلحة التي كانت في أشد الحاجة إليها بعد أن استنفدت احتياطيها من الذخائر، وانعدمت قدرة مصانعها على تلبية أكثر من ثلث حاجتها من الذخائر.

وكانت بريطانيا غير راغبة في خروج روسيا من الحرب وتخشى ذلك، ولم يكن أمامها هي وحلفائها سوى بسط السيطرة العسكرية على منطقة المضايق، ضمانا لإرسال الذخائر والأسلحة إلى روسيا وحثها على مواصلة الحرب.

وفي الوقت نفسه كان الاستيلاء على المضايق يشد من أزر القوات الروسية ويرفع من معنوياتها التي انهارت أمام شجاعة القوات الألمانية وانتصاراتها المتتالية.

وفوق ذلك وعدت بريطانيا روسيا في حالة سيطرتها على منطقة المضايق بأنها ستهدي إليها مدينة إستانبول؛ لحثها على الثبات والصمود، ولم تكن هناك هدية أعظم من أن تكون المدينة التاريخية تخت عرش الامبراطورية الروسية وهو الذي دام عقودا طويلة يحلم بمدينة إسطنبول.

 

’’
تعود حكاية جناق قلعة المعروفة محليا باسم “غاليبولي” إلى عام 1915، حين تمكن الجيش العثماني في الحرب العالمية الأولى من دحر قوات التحالف

‘‘

ويضاف إلى هذه الاعتبارات أن نجاح حملة الدردنيل يجعل في متناول بريطانيا وحلفائها المحاصيل الوافرة من القمح التي تنتجها أقاليم روسيا الجنوبية، وأن رُسُو الأسطول البريطاني أمام إستانبول يشطر الجيش العثماني شطرين، ويفتح الطريق إلى نهر الدانوب.

وابتدأت الهجمات البحرية ضمن المعركة في نوفمبر 1914 م، واقترب الأسطول البريطاني من مياه الدردنيل وهو يمني نفسه بانتصار حاسم وسريع، والمعروف أن مضيق الدردنيل هو أول ما تقابله السفن القادمة من البحر المتوسط والمتجهة نحو البحر الأسود، وخلال ذلك تمر بالدردنيل ثم بحر مرمرة ثم البوسفور ثم مدخل البحر الأسود.

وقبل أن تتوغل بعض السفن البريطانية في مياه مضيق الدردنيل، ألقت بعض المدمرات قنابلها على الاستحكامات العسكرية العثمانية، ولم تتحرك هذه القوات للرد على هذا الهجوم ووقفت دون مقاومة، الأمر الذي بث الثقة في رجال الأسطول البريطاني، وأيقنوا بضعف القوات العثمانية وعجزها عن التصدي لهم، وتهيئوا لاستكمال حملتهم البحرية.

وبعد مضي شهرين أو أكثر من هذه العملية توجهت قطع عظيمة من الأسطول البريطاني إلى الدردنيل، وهي لا تشك لحظة في سهولة مهمتها، واستأنفت ضرب الاستحكامات العسكرية الأمامية مرة أخرى، ثم اقتحم الأسطول البريطاني المضيق في جسارة، وكم كانت المفاجأة مروعة له، حين اصطدم بحقل خفي من الألغام في مياه الدردنيل، وأصيب بأضرار بالغة بسبب ذلك، وكان لهذا الإخفاق دوي هائل وصدى واسع في جميع أنحاء العالم.

وعن الهجمات البرية، فأن بريطانيا وحلفاؤها لم يسكتوا على هذا النصر العثماني الذي قام على استدراج وحدات الأسطول البريطاني إلى مياه المضيق واصطيادها بسهولة وسط حقل الألغام البحرية، فرأت تعزيز الهجوم البحري على الدردنيل بهجوم بري، على أن يكون دور القوات البرية هو الدور الأساسي، في حين يقتصر دور القوات البحرية على إمداد القوات البرية بما تحتاج إليه من أسلحة وذخائر ومواد تموينية، ومساعدتها على النزول إلى البر، وحماية المواقع البرية التي تنزل بها.

وكانت القوات البريطانية البرية تتألف في معظمها من جنود أستراليين ونيوزلنديين، وهم معروفون بالبأس الشديد في القتال، ويقود هذه القوات سير إيان هاملتون، وكانت القوات الفرنسية بقيادة الجنرال جورو تعزز البريطانيين.

بدأت هذه القوات تصل إلى بعض المناطق في شبه جزيرة غاليبولي في شهر أبريل 1915 م، حتى إذا اكتمل عددها بدأت هجومها على منطقة المضايق، ونزلت بعض قواتها في بعض المناطق، لكن خانها التوفيق في اختيار الأماكن الصالحة، إذ نزلت في أراض تنحدر تدريجيا نحو ساحل البحر، واشتركت في الإنزال كتيبة يهودية وأخرى يونانية.

وقد انتهز الأتراك العثمانيون هذه الفرصة واصطادوا القوات البريطانية والفرنسية المهاجمة، وكانوا قد أكملوا استعدادهم لمواجهة هذا النزول المتوقع، وأظهروا بسالة فائقة وشجاعة نادرة أعادت إلى الأذهان أمجاد العسكرية العثمانية.

 

’’
أدى هذا النصر العثماني إلى إنقاذ إسطنبول عاصمة الخلافة من السقوط في أيدي قوات الاحتلال الأجنبي

‘‘

وبينما كان القتال يدور في ضراوة بالغة أحرز الجنود المهاجمون نصرا على الأتراك في 6 من أغسطس 1915 م بعد أن وصلت إليهم إمدادات كثيرة، ونجحوا في أخذ الأتراك على غرة، غير أن قائد القوات المهاجمة لم يستثمر هذا النصر الخاطف بأن يبدأ في التوغل نحو شبه جزيرة غاليبولي، وظل متباطئا دون تطوير هجومه، الأمر الذي جعل القوات العثمانية تنجح في صد المهاجمين، واسترداد ما تحت أيديهم وتكبيلهم خسائر فادحة بعدما وصلتهم إمدادات سريعة.

ومن الانعكاسات السياسية والتي عادت به المعركة، فأن النصر العثماني فيها ادى إلى إنقاذ إسطنبول عاصمة الخلافة من السقوط في أيدي قوات الاحتلال الأجنبي، وفي الوقت نفسه جعل القوات البريطانية والفرنسية تفكر في الانسحاب من شبه جزيرة غاليبولي بعد أن فقدت الأمل في الاستيلاء على منطقة المضايق، وبدأت بالفعل الانسحاب في 18 من ديسمبر 1915 م بعد أن كلفت الحملة بريطانيا وحليفاتها مائة وعشرين ألفا من القتلى والجرحى، وأخفقت في تحقيق هدفها الرئيسي وهو الاستيلاء على المضايق، وكان الفشل مزدوجا في البر والبحر.

هي ذكرى العثمانيين إذن، تعبق تركيا برائحة سيوفهم ودمائهم هذه الأيام في ذكرى جناق قلعة، أما تفاصيل الذكرى فلا تعرف الموت وهي المحفوظة في بطون آلاف الكتب والمؤلفات.

تركيا بوست